اسماعيل بن محمد القونوي

147

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

للتنبيه على أن لذواتهم من حيث كونهم في صورة غلمان حسان الوجوه لا يعهد مثلهم في سائر الوجوه مدخلا في السببية كما أشار إليه بقوله في صورة غلمان الخ أن يقصدهم أي بسوء كما هو عادتهم الشنيعة من طلب الفاحشة . قوله : ( وضاق بمكانهم صدره ) أي شأنهم وتدبير أمرهم يؤيده قوله في سورة العنكبوت ذكر شأنهم وتدبير أمرهم في موضع مكانهم والمكان مستعار للحال كما نبه عليه في قوله تعالى : يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ [ هود : 93 ] حيث قال أي على حالكم قوله صدره معنى الذرع هنا كناية لكن لا يظهر وجهه وفي سورة العنكبوت حمل الذرع على الطاقة وهو الظاهر كما أوضحه هناك حيث قال كقولهم ضاقت يده وبإزائه رحب درعه بكذا إذا كان مطيقا له وذلك لأن طويل الذراع ينال ما لا ينال قصير الذراع إليه انتهى وقال الأزهري الذرع يوضع موضع الطاقة ولما كان التمييز فاعلا في المعنى جعل المصدر الذي معنى الذرع فاعلا مع أنه تمييز في النظم . قوله : ( وهو كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروه والاحتيال فيه ) عن شدة الانقباض مطلقا والتخصيص بالعجز عن مدافقة المكروه من مقتضيات المقام وبه يتم المرام . قوله : ( شديد من عصبه إذا شده ) لأنه لكثرة شره كأنه عصب بعضه ببعض والتف به وإسناده إلى اليوم مجاز والمراد شدة ما وقع فيه من النوائب والمصائب . قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 78 ] وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ( 78 ) قوله : ( يسرعون إليه ) الظاهر أن يسرعون مبنى للفاعل تفسير يهرعون مبنى للمفعول قال الإمام ولأهل اللغة في يهرعون قولان الأول أن هذا من باب ما جاءت صيغة الفاعل على لفظ المفعول ولا يعرف له فاعل نحو أولع فلان بالأمر وأرعد زيد وزهى عمرو من الزهو والمسألة الثانية أنه لا يجوز ورود الفاعل على لفظ المفعول وهذه الأفعال حذف فاعلوها فتأويل أولع زيد أنه أولعه طبعه وأرعد الرجل يرعده غضبه وزهى عمرو معناه جعله ماله أو جهله زاهياء وأهرع معناه اهرعه خوفه أو حرصه واختلفوا أيضا فقال بعضهم قوله : وضاق بمكانهم صدره المكان مصدر بالميم بمعنى الكون أي ضاق بوجودهم عند صدره . قوله : وهو كناية عن شدة الانقباض في الأساس ضاق بهم ذرعا لم يطقهم وما لك علي ذراع أي طاقة قال الأزهري الذرع يوضع موضع الطاقة والأصل فيه البعير يذرع بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فضعف ومد عنقه فجعل ضيق الصدر عبارة عن قلة الوسع والطاقة على سبيل الكناية لكونه ذكرا للازم وإرادة للملزوم قال صاحب اللباب هذا على عادة العرب في وصف القادر على الشيء المنبسط بالتدرع والتبرع وطول اليد والباع والذراع ثم يوضع ضيق الذرع مكان ضيق الصدر وهو نصب على التمييز .